أجهزة الكمبيوتر المستعملة أصبحت
الآن أكبر مصدر للتلوث علي مستوي العالم نتيجة التحديث المستمر
الذي يلهث المستخدمين للحصول عليه تلبية لاحتياجاتهم التكنولوجية
المتنامية ولرخص أسعار الإصدارات الحديثة وتفوقها التقني، كما أن
حجم النفايات الإلكترونية وصل بالفعل إلي 70% من حجم النفايات
الإجمالية الموجودة علي سطح الكرة الأرضية.
هذا القدر الهائل من التلوث فاق
قدرة المتعاملين معه علي التخلص منه بشكل آمن حتي في دول العالم
الأول، لكنهم وجدوا الحل في تكثيف تصدير هذه النفايات لمنطقتنا (خاصة
مصر) ليضربوا كل العصافير بحجر واحد (التخلص الآمن منها، إلتهام
اقتصادنا المريض أصلاً، إضعاف شعوبنا بتصدير مسببات الأمراض إلينا)
ذلك أن عديمي الدراية والفقراء في دولنا يصابون بأمراض غاية في
الخطورة نتيجة تعاملهم مع هذه الأجهزة بالتداول أوتفكيك وفصل
المكونات والتخلص من معظمها بطريقة خاطئة بما لها من تأثيرات بيئية
تصيب أيضاً غير المتعاملين معها بطريق غير مباشر نتيجة تسرب ونفاذ
مكوناتها السامة لمحتويات البيئة خاصة مياة الشرب والغذاء.
ويكفينا معرفة أن إنتاج جهاز كمبيوتر واحد يتطلب استخدام عشرة
أضعاف وزنة من المواد الكيميائية السامة كمانعات اللهب والمعادن
الثقيلة بما فيها «الرصاص» و»الكادميوم» بالإضافة إلي «الوقود
الحفري»، وأن الشاشة الواحدة تحتوي علي 1.8 كجم علي الأقل من
الرصاص، ولوحات الدوائر الإلكترونية والبطاريات تحتوي علي كميات
غير قليلة من الرصاص والزئبق والكروم.
هذا إضافة إلي ظاهرة سلبية أخري تتمثل في توجيه استثمارات مادية
كبيرة للوجهة الخاطئة التي ليست لها قيمة مضافة إلا في جيوب
مستوردي هذه النفايات علي حساب مقدرات شعب كامل علي الرغم من عدم
وجود فارق كبير بين سعرها وسعر الأجهزة الجديدة، مما يدعوا للريبة
في توجهات هؤلاء المستوردين الذين لا يعبئون بالأضرار الإقتصادية
والبيئية والصحية التي تصيبنا، كما أن استقبالنا لهذه الشحنات التي
تحتوي علي أجهزة تحمل علامات تجارية مقلدة مجهولة المنشأ لا تتماشي
مع الإتفاقيات الدولية الموقعة من مصر والتي تقوم بتفعيلها عن طريق
القانون رقم 82 لسنة 2002 والخاص بحماية الملكية الفكرية، هذا
القانون المعني بمحاربة غش وتقليد السلع والخدمات والأفكار
والحماية من القرصنة والتزوير.
وبعد أن أصدر المهندس رشيد محمد رشيد وزير الصناعة والتجارة كعادته
قراراً عميقاً لا يندرج تحت بند «المسكنات» بمنع استيراد نفايات
أجهزة الكمبيوتر المستعملة والإكتفاء باستيراد الأجهزة التي لم يمر
علي تاريخ إنتاجها سوي 5 سنوات علي الأكثر، بدأت بالفعل ثمار هذا
القرار تتمثل في عودة كثير من الحاويات الممتلئة بهذه النفايات
أدراجها مرة أخري مما يعطينا الأمل في توقيف هذا السيل المنهمر من
النفايات والتعامل بشكل أكثر وعياً مما نحن عليه الآن، كذلك لابد
من العمل علي توعية المواطنين عن طريق تكثيف الحملات الإعلامية
بمخاطر التعامل مع هذه المكونات، وفي هذا الصدد لن يستطيع منصف
إنكار ريادة مجلة سوق العصر في قيادة حملة التوعية الإعلامية منذ
فترة طويلة وبصفة متواصلة، ليس هذا وحسب بل يجب العمل السريع من
جميع الوزارات والأجهزة والجهات المعنية علي توفير والإعلان عن
البدائل الآمنة للتعامل مع هذه السموم والتخلص منها.
ورغم إقرارنا بأن القرار الذي اتخذه المهندس «رشيد» قرار «رشيد»
إلا أننا لا نعتبره سوي بداية الطريق الذي لازال طويلاً يحتاج
لجهود الجميع وإصرارهم علي مواصلته لصالح مصر .
ممدوح محمدي
mamdouh@sokelasr.com